ابن تيمية

44

مجموعة الفتاوى

الرَّبَّ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ ذَلِكَ فَالْتَزَمُوا أَنَّ الرَّبَّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً بِمَشِيئَتِهِ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ قَادِراً عَلَى الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ بِمَشِيئَتِهِ . فَافْتَرَقُوا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : كَلَامُهُ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثاً ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا مَقْدُوراً مُرَاداً وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثاً وَمَا كَانَ حَادِثاً كَانَ مَخْلُوقاً مُنْفَصِلاً عَنْهُ ؛ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ وَتَسَلْسُلِهَا فِي ظَنِّهِمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ كَلَامُهُ لَا يَكُونُ إلَّا قَائِماً بِهِ وَمَا كَانَ قَائِماً بِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقاً بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ بَلْ لَا يَكُونُ إلَّا قَدِيمَ الْعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْدُوراً مُرَاداً لَكَانَ حَادِثاً فَكَانَتْ الْحَوَادِثُ تَقُومُ بِهِ وَلَوْ قَامَتْ بِهِ لَمْ يَسْبِقْهَا وَلَمْ يَخْلُ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَخْلُ مِن الحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ ؛ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَكِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّماً فِي الْأَزَلِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ . قَالَتْ " هَذِهِ الطَّوَائِفُ " : وَنَحْنُ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَلِمْنَا حُدُوثَ الْعَالِمِ ؛ فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ بِأَنَّهَا لَا تَخْلُوَا مِن الحَوَادِثِ وَلَا تَسْبِقُهَا وَمَا لَمْ يَسْبِقْ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ . ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذِهِ